ساحة التحرير ببغداد: مدرسة للحرية ومتحف مفتوح للحب والجمال

لم تتحوّل ساحة التحرير، وسط بغداد، إلى ميدان للاحتجاج بصوت عالٍ فحسب؛ بل صارت جدران أبرز مبانيها، تحديداً بناية المطعم التركي (مبنى الحرية)، ونفق التحرير الرابط بين شارعَي الجمهورية والسعدون، معرضاً مفتوحاً لأحلام الجيل العراقي الجديد، الذي صاغ بيانه الشخصي حول الحرية بوصفها فناً وثقافة ومعرفة.
تحوّلت تلك المنطقة إلى مسرح حيّ منذ اندلاع الموجة الثانية من الاحتجاجات، 25 (أكتوبر) 2019، ترتفع في أرجائه لوحات وبوسترات وتعبيرات تنتمي إلى ما يسميه الأستاذ في أكاديمية الفنون بجامعة واسط (جنوب شرق بغداد)، كريم طه، بـ “الرسم التفاعلي”.

لجأ الفنانون، لا سيما الشباب منهم، إلى تسجيل ملاحظاتهم وتوثيق ما يحدث على الجدران الصماء الواسعة في ساحة التحرير

ويرى طه، في منشور له على صفحته على فيسبوك، أنّ “الرسم غالباً هو التعبير بالشكل والألوان عمّا يدور في خلجات النفس عند الإنسان، وهذا التعبير يتباين في أسلوبه وطريقة عرضه، كما تتحكم به ظروفه الزمانية والمكانية”، وحيث إنّ الحدث السياسي الآني للعراق يعجّ بـ “الحراك المصحوب بالحسّ الثوري المصاحب للانفعال، والعاطفة التفاعلية على المستويين؛ الفردي والجماعي، تكون النفوس فيه قد تهيأت لفتح قريحة المشاركة الجمعية، ولو بمشاركة بسيطة المستوى من المشاعر (كالفرحة أو الألم) بين المجتمعَين، ومعهم ما ييسر فعل امتداد القريحة من حدودها الفردية إلى مستوى المجموع فيتشارك بها مع المتواجدين”.
لجأ الفنانون، لا سيما الشباب منهم، إلى تسجيل ملاحظاتهم، وتوثيق “ما يحدث على الجدران الصماء الواسعة في ساحة التحرير وأنفاقها التي ألهمت خيالاتهم، وحفزت مواهبهم ليجعلوها عموداً أساسياً يدخل ضمن مضمون نص الحدث الراهن، ويتفاعل بقوة مع العطاء الكبير للشباب المنتفض، وليوازي سيل عطاء الدماء، وألم الجروح، أو يواسيها على أقل تقدير، فكانت، وكما نشاهد، نتيجة عمّدت ركناً من أركان ساحة التحرير، وعكست الجانب الثقافي الذي يمتلكه المتظاهرون ومتلقو الأعمال على السواء”، كما ينهي الأستاذ كريم طه ملاحظاته.

إنقاذ جدارية فائق حسن

وإذا كانت انتفاضة تشرين الأول (أكتوبر) العراقية قد قدّمت جيلاً جديداً في السياسة والأفكار والعمل الميداني الدقيق وشديد التنظيم، في إدامة الاحتجاج لوجستياً رغم سقوط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، فإنّها أيضاً برعت في تقديم خطاب فنّي يحاكي الحدث ويستلهم معانيه ويؤشر لدلالات مستقبلية كبرى، إذ يقول الفنان عقيل خريف في منشور له عبر صفحته على فيسبوك: “الثورة أفرزت جيلاً لفناني الفنّ الغرافيتي وهي تواكب الحدث، الفنّ هو أقرب إلى الأحداث، يجب على نقّاد الفنّ أن يوثّقوا ثورتنا وقراءتها، من خلال الأثر على الجدار”.
ومن هنا جاءت الاستجابة، فكتب الفنان كريم سعدون على صفحته على فيسبوك: “التحرير ينتج فنّه”، عن سلسلة جداريات في نفق ساحة التحرير وقّعها الرسام الشاب باقر ماجد.
إنقاذ جدارية فائق حسن

صحيفة وإذاعة من ميدان الحرية
ولم تتوقف لغة الاحتجاج التعبيرية فنّياً عند الرسم وحسب، بل أنتجت خطابها الإعلامي الخاص، انطلاقاً من بؤرتها المكانية: ساحة التحرير، فقد أصدر المحتجون صحيفة خاصة تحمل عنوان “توك توك”، استلهاماً لاسم الدراجة الشعبية التي صارت أيقونة من أيقونات الانتفاضة، لما قدمته من وسائل عون سريعة في إسعاف الجرحى من المنتفضين ونقل إمدادات العون المختلفة.

ليس هذه وحسب، بل إنّ المنتفضين أطلقوا إذاعة محلية بعنوان “نريد وطن”، تغطي المنطقة التي صارت معقلهم وسط بغداد، دون أن ينسوا تركيب شبكة إنترنت تغطي المنطقة، وإنارتها بمولّد موضعي للطاقة جعلهم قادرين على إنارة المبنى الذي كان يغرق في الظلام منذ عام 2003.
وفي نفق التحرير ثمة محال تجارية ومكاتب خدمات ضمن منظور عمراني تغنّت بجماله أجيالٌ من العراقيين وضيوفهم من العرب المقيمين طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، لكنّها تراجعت حدّ الانطفاء التام، فصارت بعد عام 2003 مواقع مظلمة تنطلق منها عصابات الجريمة والإدمان على المخدرات والكحول.
منذ أسبوع، انتفض الشبان للمكان وأعادوا إليه الحياة بعد أعوام من الإهمال، أضاؤوا كلّ زاوية من زواياه، ورفعوا منه تلال القمامة، كأنّهم بذلك يرسلون للحكم العراقي رسالة مفادها: “أنتم خرّبتم ونهبتم ونحن أنفقنا رغم فقرنا وعمّرنا” كما في الفيديو المرفق:

لوحة على جدار

في الجهة الأخرى من المكان، حيث “ساحة الطيران”، وفيها جدارية الفنان العراقي المشهور، فائق حسن، التي كانت مغطاة بطبقة سميكة من غبار الإهمال وسخامه، فهبّ إليها شباب الانتفاضة، مزيلين تلك الطبقة المعتمة، وحاملين لذلك العمل الفني الذي يشكل جزءاً بارزاً من تاريخ العاصمة العراقية المعاصر، مصابيح تنيره ليلاً.
لوحة على جدار

منشد الثورة الجميل
ومنذ اليوم الثاني لانتفاضة تشرين العراقية، تابعنا المنشد حيدر حسن التميمي، الذي ظهر للمرة الأولى، في 2 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، وهو ينشد نشيداً ثورياً حافظ على جماليته الغنائية واللحنية، وإن كان وسط نيران شوارع تحترق، فبدا المشهد وكأنّه مأخوذ من عمل سينمائي وليس واقعياً، يدور وسط شارع ببغداد.

أصدر المحتجون صحيفة خاصة تحمل عنوان “توك توك” استلهاماً لاسم الدراجة الشعبية التي صارت أيقونة من أيقونات الانتفاضة

بصوته وقدرته على ابتكار الألحان ولغته العربية المتماسكة، وإن كانت من نبع المراثي الحسينية التي خبرها ومارسها، أضحى التميمي، منذ أكثر من شهر، منشد الثورة الجميل، يقدم الأناشيد العميقة الصادقة من عمق المشهد من ساحة التحرير وشوارع بغداد، بل إنّه لم يتردد في توجيه نشيد يخاطب فيه القنّاص الذي صار رمزاً لآلة وحشية تقتل الشباب العراقي بلا رحمة.
هذا النمط الغنائي الرفيع لهذا المنشد الوسيم مثّل صوت الشباب العراقي الجميل الذي ملّ الذل وحكم القتلة الفاسدين، بل إنّ كلّ نبرة منه تحمل نغمة أمل، كلّ شهقة مجروحة تعني مستقبلاً مفتوحاً يرسمه هذا الجيل تحديداً لا غيره.
وفي ميدان الغناء الحماسي، ذهبت بنت عراقية، هي سارة آدم (كما تظهر في الفيديو)، إلى إنجاز نسخة محلية من الأغنية المشهورة: “?do you hear the people sing”، أو “هل سمعت الشعب يغني؟”؛ التي تكوّن محوراً مهماً في الفيلم/ المسرحية الغنائية المأخوذة عن رواية “البؤساء” لفيكتور هوغو.

مكتبة في نفق التحرير

سارة آدم والشباب حوّلوا الأغنية المشهورة إلى نسخة عراقية؛ حيث ينشد المنتفضون، رجالاً ونساء، ومن أجيال مختلفة، لأشواق الحرية والأمل الحقيقية التي طال انتظارها.
مكتبة في نفق التحرير

كتب على رصيف الحرية
بدا القاصّ والكاتب العراقي المقيم في فنلندا حسن بلاسم في غاية السعادة، وهو يرى نسخة من أحد كتبه معروضة على رصيف ضيق في نفق التحرير، ضمن “مكتبة” أقيمت على عجل، تعرض فيها الكتب مجاناً، هنا كتب بلاسم: “كتابي “الرجل القاموس” ما يزال يجلس على رصيف الحرية في بغداد، يحلم ويفكر في بلد حرّ ومتقدم”.
وضمن مدارات الكتب؛ سارعت “دار المدى” لإقامة مكتبة تقدم منشوراتها البارزة في أحد طوابق المبنى، الذي كان مظلماَ ومهجوراً ومخرباً، للقرّاء من المنتفضين مجاناً.
هنا كأنّ الجميع في لحظة عراقية فارقة يتفقون على صوغ عبارة في غاية الأهمية، عبارة تقول: “الحرية فنّ وثقافة ومعرفة”.

شارك بالتعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.