هل تنجح حركة النهضة الإخوانية بالاستفراد بالمشهد السياسي التونسي؟‎

برغم الإخفاق النسبي الذي سجّلته حركة النّهضة الإسلامية التونسية في الاستحقاق الرئاسي والبرلماني، ورغم تصّدع قاعدتها الانتخابية، إلاّ أنّها مازالت اللاعب الرئيسي الذي يتحكّم بخيوط اللعبة السياسية في تونس، لتضع أنصارها أحياناً ولاعبين غير مباشرين أحياناً أخرى في مواقع القرار، معتمدةً على التوافق مرّةً، والتحالف أخرى.

“النّهضة” التي تقود المشهد التونسي، رغم أنّه لم يكن هناك إخواني واحد في شارع الحبيب بورقيبة (رمز ثورة تونس) يوم 14 كانون الثاني (يناير) 2011، انطلقت في شحن عتادها الإعلامي والسياسي للتوصل إلى اتّفاقٍ مع أحزاب ما وصفتهم بـ “الخط الثوري”، باعتبارها الحزب الأوّل (52 مقعداً) والمعني، بحسب الأحكام الدستورية، لتشكيل حكومةٍ جديدةٍ تقود تونس، في فترةٍ وجيزةٍ لا تتجاوز الشهر، فيما يحاول قادتها ضمان المزيد من بسط نفوذها لإرباك خصومها السياسيين والنقابيين على حد السواء.

هذا وترفض كلّ الأحزاب التحالف مع “النّهضة”، باستثناء كتلة ائتلاف الكرامة (21 مقعداً) التي تضم قياداتٍ سبق وأن قادت هجماتٍ ضد مقرات للاتحاد العام التونسي للشغل (منظمة تعني بالدفاع عن العمال)، والتي تتقاطع مع الحركة في مرجعيتها الفكرية، وفي بعض أفكارها، ولا تستطيع الحركة تكوين أغلبية برلمانية (109) أصوات بتحالفها مع ائتلاف الكرامة فقط.

محاولة التحكّم بالمشهد التونسي
اشتدّت خلافات حركة النهضة مع باقي الفاعلين السياسيين، بعد أن رفضت الدعوات التي نصحتها باختيار شخصيةٍ من خارجها تكون مقبولةً من معظم القوى السياسية، وأقدر على تشكيل حكومةٍ مستقرةٍ ومدعومةٍ من أغلبيةٍ واسعة في البرلمان، وتمسكت بقرار ترشيح شخصيةٍ من داخلها، حتّى أنّها عينت عدداً من مسؤوليها لتختار من بينهم من تراه مؤهلاً لذلك، ووضعت على رأس قائمة المرشحين زعيمها راشد الغنوشي، الذي عبّر عن رغبته في ذلك

واصطدمت بعد ذلك، رغبة “النهضة” في التحالف مع باقي الأحزاب الحائزة على مقاعد نيابيةٍ، برفض هذه الأحزاب لتمسّكها  بنقطة وضع شخصيةٍ نهضاوية على رأس الحكومة المقبلة، ويرجع مراقبون ذلك، أولاً إلى قلق جل هذه الأحزاب من أن تواجه نفس مصير نداء تونس الذي تشتت بعد انتخابات 2014،  أو حزب التكتل وحزب المؤتمر لأجل الجمهورية، اللذان فقدا كتلتهما النيابية وبريقهما السياسي بعد التحالف معها لتشكيل حكومة ما يعرف بالترويكا، وإلى المرجعية الفكرية وتقارب “النهضة” مع ائتلاف الكرامة ذات المرجعية الإسلامية.
هذه التخوفات عبرت عنها أحزاب قلب تونس (83 مقعداً)، التيار الديمقراطي (22 مقعداً)، وحركة الشعب (15 مقعداً)، برفضها المشاركة في تشكيل حكومة ائتلافية مع الحركة الإسلامية، وبقطع المشاورات معها، إذا ما قررت مواصلة التمسك بموقفها السياسي بوضع “شخصية نهضاوية” على رأس الحكومة، في محاولةٍ يعتبرها خصومها التفافاً على الحكومة المقبلة، والتحكم في مفاصل الدولة، والهيمنة على الوزارات السيادية، والمراكز والمناصب الحساسة، على غرار وزارة الخارجية والعدل والخارجية والدفاع.

ويشدّد في هذا الخصوص القيادي بحركة الشعب سيف سالم على أنّ حركته لن تتحالف مع “مَن كان مسؤولاً بدرجةٍ أولى عن الاغتيالات السياسية التي عاشت على وقعها تونس عهد حكومة الترويكا، خاصّةً أنّه تم اغتيال الشهيد محمد البراهمي رغم إشعار وزارة الداخلية بمخطط اغتياله، ورغم ذلك لم يوفروا له الحماية أو حتى يعلموه بذلك كي يتمكن من حماية نفسه”.
وأضاف سالم في حديثه لـ “حفريات” أنّه لا يمكن التحالف مع النّهضة بالرغم من أنّها تصدّرت المشهد منذ العام 2011، “لأنّها كانت سبباً في تفقير الشعب التونسي، من خلال الخيارات التي ساهمت في تراجع كافة المؤشرات، في مقدمتها التنمية والبطالة”.
تخطيط وبرامج الحركة
النهضة التي شاركت في جميع الحكومات المتعاقبة ، منذ العام 2012 إلى العام 2014 ضمن ما يعرف بحكومة الترويكا، والتي تصدرت الانتخابات البلدية العام 2018، ثم الانتخابات البرلمانية العام 2019، تحاول جاهدةً السيطرة على المشهد السياسي برمته، ومهاجمة كل من يخالف توجهاتها أو برامجها السياسية.واستطاعت الاستمرار في التحكم في خيوط اللعبة تارةً عبر احتواء الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمةٍ نقابيةٍ في البلاد تُعنى بالدفاع عن العمال)، وهو ما ظهر في وثيقة قرطاج الأولى، قبل أن تعلن المركزية الديمقراطية مغادرتها عقب إصرار الحركة، وطوراً عبر المناورة ومهاجمة قيادات الاتحاد، حين تتعثر فرص الوصول إلى كسب مواقف التأييد منه.
ولم يستبعد المحلل السياسي منذر ثابت أن تتصدر حركة النهضة المشهد التونسي، معتبراً ذلك “طبيعياً”؛ لأنّها المسؤولة دستورياً  وسياسياً عن تشكيل الحكومة، “فهي رغم التراجع الذي سجلته على مستوى قاعدتها الانتخابية لا تزال الحزب الأوّل في البلاد، لكن هذا لا ينفي أنّها ستواجه خلال هذه المرحلة واقعاً مأزوماً ودقيقاً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي المتأزم بطبعه”.
ورجّح ثابت في تصريحه لـ”حفريات”، أن تغير حركة النهضة تحرّكها التكتيكي لاستقطاب أبرز الأحزاب الفائزة التي تمكنها من ضمان الأغلبية البرلمانية، في هذه المرحلة التي تستوجب سياساتٍ محكمةٍ للتضحية بالبعد الاجتماعي، وتراهن على إضعاف دور النقابات، عبر تطويق الاتحاد العام التونسي للشغل، على حد تعبيره.

وأوضح ثابت أنّ النهضة ستسعى جاهدةً لإيجاد تحالفاتٍ مع الأحزاب العلمانية والمحسوبة على الخط الليبيرالي على غرار “قلب تونس” الذي يقوده رجل الإعلام والمرشح الرئاسي السابق نبيل القروي، و”تحيا تونس” الذي يقوده رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد، مشيراً إلى أنّ النهج الأيديولوجي لما سمي بخط الثورة لا يمكن أن يقنع المستثمر الداخلي ولا الشريك الخارجي.
حركة النهضة تستنجد بخطاب ثوري لمواصلة السيطرة على المشهد التونسي

ورطة الخطاب الثوري
ومن أجل حفاظها على صدارة المشهد، استنجدت الحركة بخطابٍ ثوري يقطع مع خطابها القديم المتسم بالهدوء والدعوة للعمل المشترك بين مختلف العائلات السياسية دون إقصاء أحدٍ، ولجأت إلى هذا الخيار السياسي بعد أن أظهرت المؤشرات تناقص خزانها الانتخابي من مليون ونصف المليون ناخب العام 2011 إلى حوالي 400 ألف ناخب العام 2019.

لقد حقّق هذا الخطاب أهدافه خلال الحملة الانتخابية؛ إذ استطاعت الحركة استرجاع جزءٍ صغيرٍ من قواعدها الانتخابية، ما أعادها مرةً ثالثة في المرتبة الأولى، كما منحها تأشيرة العبور إلى مرحلة ما بعد الانتخابات، إلاّ أنّه أبعد عنها جزءاً مهماً من الفائزين في الانتخابات في مقدمتهم حزبا قلب تونس والدستوري الحر، اللذان رفضا قطعياً التشاور معها بخصوص تركيبة الحكومة، وهو ما عسّر مهمة التفاوض، ووضعها في طريق جديد محفوف بكل إمكانيات الفشل.
هذا واعتبر المحلل السياسي، جمعي القاسمي، أنّ “النهضة” ورّطت نفسها في خطابها الثوري الذي استعادته فجأةً خلال الحملات الانتخابية مؤخراً، وهو ما يتناقض مع التوجه العام الذي سارت وفقه هذه الحركة الإسلامية منذ العام 2014، إبان توافقها مع نداء تونس العلماني.
وشدّد القاسمي على أنّ هذا التحول قد “ورّطها ووجدت نفسها في مأزقٍ حقيقي، على مستوى قيادتها وعلى مستوى قواعدها”، مبيناً أنّها “تبحث عن آلياتٍ للتنصل من مفردات هذا الخطاب، الذي أدخلها في مأزقٍ يجسده الانسداد الحالي في تشكيلة الحكومة”، ذاهباً إلى أنّ النهضة تدرك أنّ ما سمي بالخط الثوري المتمثل في ائتلاف الكرامة، مرفوض داخلياً وإقليمياً ودولياً، لمرجعيته وخطابه العنيف، وهو ما سيدفعها إلى تقديم تنازلاتٍ.

شارك بالتعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.